ينضم الحادث المأساوي بمدينة مانشيستر الانجليزية ليـوم الإثنين 22 ماي، الـذي خلف حوالي 22 قتيلا و50 جريحا، إلى لائحة الأحداث الإرهابيـة الأخيـرة كحادث لـنـدن في مارس الماضي، أو حادث الشانـزيليزيه الباريسي في أبريل، وغيرهـا في مناطـق مختلفـة من العالــم… وحادث 22 مــاي بمانشيستـر هـو الأعنـف بعد حادث محطات لـنـدن في يـوليـوز 2005 الــذي خلف بــدوره حوالي 50 قتيلا و700 جريح.

الـتكتيـك نـفسه الـمتبع، أي مفـاجأـة الأبـريـاء بـالإجهاز عليهـم في أماكـن عامـة ودون رحـمة… “ذئـاب منفـردة” تـتوصـل بتعليمات عــن بُعْـد ويـتـم تـدجينهـا عن طريــق “الكـوتش الافتراضي”، هــدفهـا زعزعة الـطمأنينة والـسلم الاجتماعي، كما يستغلـون بكل حقـارة جنح الـظلام، سـواء بمسرح البتكـلان الباريسي أو فضاءمانشيستر، في ارتكـاب جرائمهـم الإرهابيــة.

لـذلك كـنا نطـرح في كل مناسبـة أسئلـة تتعلـق بتـوقيـت الـعمليات الإرهابيـة واقتـرانهــا بـزمـن الانتخابـات في بـلـدان أوروبــا؟ ومــن يخـدم مـن؟ خاصة وأحـداث قطار مدريــد لـسنة 2004 ليسـت ببعيـدة؛ حيث وقعت الانفجـارات قبـل 3 أيـام من انتخابـات مـارس 2004، كما أن حادث الشانزليزيه وقــع 3 أيـام قبـل رئاسيات فـرنسا في أبريل 2017، وهي أحداث تُـقــوي مشـروعيـة الـتسـاؤل.

بريطانيا تعـيش الـيـوم حـدادا وطنيـا، وهي تُحصي قـتلاها وجـرحاها، وتُسانـدها القـوى الحية في العالــم وتُـعلـن عن حـدادا إنـسانيـا، وتُـعلن رفضها لكل أنـواع الـعنف والـتطرف الـديني أو الـسياسي أو الـفكـري…

لكن بـريطانيا تعيـش أيضا فصلا سيـاسيـا متشـابـك الـمصالح ومتعـدد التـصورات؛ فهـي من جهـة جعلـت على رأس عـاصمتها لـنـدن الـسيد صادق خان، ذو الأصل الباكستاني المنتمي لحـزب العـمال البريطاني، وهي بهـذه الصورة تُـعطي مثالا ايجابيـا للـمجتمع متعـدد الثقـافات والـديانات والـمنفتح على أبنائـه ذوي الأصول المهاجرة المسلمـة، ومن جهة أخــرى تُــقرر بـاستفتـاء 23 يونيــو الخـروج من الاتحاد الأوروبي لــتحفظ حـدوها وأمنهـا من الـمهاجريـن والإرهــاب، وغيــر ذلك.

وسيـزاد الـمشهد إثـارة عنـدما ستقـرر رئـيسة الــوزراء، الـسيدة تيـريـزا مـاي، عن حــزب المحافظين (الطُوري)، في منتصف أبريل الماضي، إجراء انتخابات مبكـرة في 8 يونيـو 2017 .

لكن ما يُـؤرقنـا حقـا هــو تـزامـن الـضربات الإرهابيـة مع الانتخابـات بـالـدول الغـربيـة، ويـبــدو وكـأن الأمــر مخطـط لـه مـسبقــا؛ فـعنـد وقــوع حـادث إرهابـي يقــوم فــريـق بالـتنـديــد وإقـامة مجالـس العــزاء في العالــم، ويقـوم فريـق آخـر بفـرض عقوبــات وسيــاسات جديــدة، في حيـن يقــوم فــريـق ثـالث بتجهيز عمليـة إرهـابيـة جـديــدة، وهـكــذا!

لكن الخطير في الأمـر هـو أن يـتكـون لـدينـا استعــداد ذهـني ونـفسي بقبــول دورنـا في مجلس الـعـزاء وإعــلان الـتنـديــد، وأن يتـكـون لـديــنا “كـليشي” عــن الحادث الإرهابي وكأنه “حادثة سير” في الطريق العام!

شهدت السنوات الأخيرة تطوّرا لافتا في اختيارات القوات المسلحة الملكية في مجال التسلّح، وتجسّدت قمّة هذا السعي المحموم إلى امتلاك ترسانة حربية حديثة وقوية في الأنفاس الأخيرة من العام 2009، حين أعلنت شركة «لوكهيد مارتن»،  العملاقة لصناعة الأسلحة، صفقة تصنيع جزء مهم من ال24 طائرة من طراز «إف 16» التي قرر المغرب اقتناءها من أمريكا ، بقيمة 2.4 ملايير دولار (حوالي 2000 مليار سنتيم)، ليصبح المغرب بفضل هذه الصفقة ثالث زبون للولايات. م ،ا  خلال ذلك العام. وأبانت الصفقات التي عقدتها المملكة خلال الفترة الأخيرة، عن اعتزام المملكة تجديد أسطولها الجوي. فبالإضافة إلى الطائرات الأمريكية ، قرر المغرب اقتناء أربع طائرات من صنع إسباني لتوظيفها في الشحن العسكري والمراقبة ومهام عسكرية أخرى. ويتعلق الأمر بطائرات من نوع «سي 27 خي سبارتان» بقيمة إجمالية تصل إلى نحو 130 مليون أورو، أي حوالي 32 مليون أورو للطائرة الواحدة. وتعتبر «سبارتان» من الطائرات الأكثر تطورا في مجال النقل العسكري والمراقبة، واقتنت منها الوليات المتحدة  عددا كبيرا خلال السنوات الأخيرة، لاسيما أنها طائرة قابلة للاستعمال الحربي كذلك.
وفي الشهر الذي حصلت فيه حكومة عبد الإله بنكيران على الاعتراف البرلماني بوجودها، أي يناير 2012، نجحت الفرق التقنية والعسكرية الفرنسية المتخصصة، في التجارب الأولى لتجهيز الفرقاطة العملاقة، المسماة «محمد السادس»، بصواريخ متطورة قادرة على بلوغ أهداف على بعد مئات الكيلومترات، بما فيها الأهداف تحت البحرية، أي الغواصات. وأعلنت مصادر من الشركة الفرنسية لبناء المعدات العسكرية البحرية DCNS، أن تلك الفترة عرفت إنجاز تجارب ناجحة على الأنظمة القتالية للسفينة الجديدة ، وعلى رأسها شحنها بالصواريخ التي ستمثل السلاح الأساسي للفرقاطة الجديدة عند دخولها الخدمة، وهي الصواريخ التي ستمكن الفرقاطة، التي تعتبر آخر طراز أوربي، من القضاء على أهدافها العسكرية على بعد مئات الكيلومترات.

الأسلحة المقبلة: غواصات وأقمار وصواريخ
أبرز التطورات المقبلة في التسلّح المغربي، حسب التقرير الجديد، تتمثل في دخول المملكة نادي الجيوش الحائزة غواصات عسكرية، ومواصلته تطوير القدرات الخاصة بالتكنولوجيا والاتصالات الحديثة، ثم تزويد الجيش المغربي بمئات الصواريخ المضادة للدبابات، تحسبا لأي مواجهة مباشرة مع القوات البرية للجزائر. «فرغم أن المغرب محاط بسواحل كل من البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، فإن القوات البحرية الملكية تجاهلت لفترة طويلة خيار الحصول على غواصات، لكن البحرية الملكية تعمل حاليا على الرفع من مستوى تجهيزاتها الدفاعية»، يقول التقرير. وبالنظر إلى الكلفة العالية لبعض الأنواع من الغواصات، تفيد الوثيقة بأن المملكة تتجه نحو اقتناء غواصات من نوع «دييزيل كهربائية»، والتي لا تتطلب ميزانيات كبيرة. ويفيد التقرير بأن المغرب حاول في البداية اقتناء غواصة من نوع ألماني في الفترة ما بين 2014 و2017، إلا أنه توجه حديثا نحو خيار جديد يتمثل في اقتناء غواصة من نوع «أمور 1650» الروسية. غواصة يقول التقرير إنها قادرة على حمل 18 صاروخا، كما أنها متطورة تكنولوجيا، وتضاهي نظيراتها الفرنسية والألمانية والإسبانية.
ثاني مجالات التطوير التي يشتغل عليها المغرب في ترسانته العسكرية، يتمثل في تكنولوجيا الاتصالات والدفاعات الجوية الحديثة. «فقد حصل المغرب في السابق على ثلاث طائرات ‘‘هيرون'' سبق أن استعملتها فرنسا  في الحرب في أفغانستان ، كما قام أخيرا بتقديم طلبات للحصول على عدد من طائرات ‘‘أبرامز''… في الفترة ما بين 2017 و2027، يرتقب أن ينفق المغرب ما قيمته 561 مليون دولار لإقامة نظام معلوماتي آمن لقواته العسكرية»، فيما كشف تقرير معهد ستكهولم  دخول المغرب نادي الدول المزودة بأقمار اصطناعية مخصصة كليا لأغراض عسكرية، حيث كشف وجود طلبية تهم قمرا اصطناعيا فرنسيا لصالح المغرب. دخول التقنيات التكنولوجية والفضائية المتطورة مجال المبادلات التجارية الدولية في مجال التسلح انطلق، حسب التقرير، في العام 2005، حين حصلت تايوان  على قمر اصطناعي عسكري من فرنسا، تلاها حصول مصر وجنوب إفريقيا على قمر اصطناعي روسي لكل منهما في 2014، ثم قمر اصطناعي فرنسي لصالح تركيا ، وآخر إيطالي لصالح البيرو في العام 2016، فيما توجد حاليا طلبيتان لصالح كل من المغرب والإمارات العربية المتحدة تهمان قمرين فرنسيين، وطلبية ثالثة تهم قمرا اصطناعيا إسرائيليا لصالح إيطاليا .

أما ثالث مجالات التطوير التي يقبل عليها المغرب بقوة في الفترة المقبلة، فيتمثل في تزويد جيشه بالمئات من الصواريخ الخفيفة المضادة للدبابات. صفقة جديدة كشفها متم 2016، وهي الثانية بعد صفقة سابقة في العام السابق للحصول على شحنة كبيرة من صواريخ أمريكية شديدة الفعالية في مواجهة المدرعات العسكرية. وزارة الدفاع الأمريكية كشفت، شهر دجنبر الماضي، أنها صادقت على صفقة بقيمة تتجاوز المائة مليون دولار، يحصل بموجبها المغرب على 1200 صاروخ من نوع «تاو2ا»، بعد إبرام صفقة في نهاية 2015، تتعلّق بشحنة أولى ب600 صاروخ من النوع نفسه، فيما كانت صفقة السنة الماضية مصحوبة ب300 قاذفة خاصة بهذا النوع من الصواريخ. ويتعلّق الأمر بصاروخ من نوع "تاو 2ا"، وهي صواريخ أمريكية متطورة جدا، سطع نجمها في الفترة الأخيرة، واعتبرها جلّ الخبراء العسكريين صاحبة الدور الحاسم في العمليات التي خاضها مقاتلون معارضون أكراد، على وجه الخصوص، ضد القوات التابعة لبشار الأسد في سوريا. وتهمّ، إلى جانب الصواريخ التي يمكن حملها واستخدامها يدويا، تجهيزات تقنية أخرى تتلاءم مع هذا النوع من السلاح الذي أثبت فعاليته في مواجهة المدرعات والدبابات العسكرية.
الصفقات الأخيرة التي أبرمها المغرب في مجال الصواريخ، شملت أنظمة قنابل «ذكية» سيتسلّم المغرب أنظمة توجيهها في أجل أقصاه العام 2021، حيث يمكن إطلاق الصواريخ عبرها على مسافة تصل إلى 24 كيلومترا عن الهدف، وتتّسم بدقّتها البالغة في إصابة الأهداف، ومزاوجتها بين استعمال الليزر كتقنية في التوجيه، والتكنولوجيا الحديثة ل«جي بي إس» عندما تكون أحوال الطقس صعبة.

صوّت التحالف الرباعي الذي يقوده المليارديرعزيز أخنوش في 13 يناير على انتخاب حبيب المالكي، القيادي في الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، رئيساً لمجلس النواب. وقد دعم حزب الأصالة والمعاصرة، الذي يُعتبر الخصم الأساسي لحزب العدالة والتنمية (البيجيدي)، انتخاب المالكي.
أما زعيم حزب العدالة والتنمية، عبد الإله بنكيران، فاعترض بشدّة على انتخابه مشدّداً على أنه خط أحمر، لا بل "إرغام يوصل مشاورات (تشكيل الحكومة) إلى الباب المسدود"1. ولكنه رضخ للضغوط ووافق ضمناً على انتخاب المالكي رئيساً لمجلس النواب قبيل التصويت في البرلمان في 18 يناير الجاري على طلب المغرب الانضمام إلى الاتحاد الإفريقي. إلا أنه لا يزال يرفض المشاركة في ائتلاف حكومي يضم الاتحاد الاشتراكي، ما يتسبّب بتمديد أزمة الحكومة المستمرة منذ أزيد من مائة يوم.
لقد رفض بنكيران رفضاً قاطعاً أن يضم إلى تحالفه الحكومي الاتحاد الاشتراكي وهو الحزب اليساري الذي يحافظ على نفوذه رغم تراجعه الانتخابي المطرد منذ ما يزيد عن عقد من الزمن. خصوصاً وأن زعيم العدالة والتنمية فعل كل ما استطاع قبل خمس سنوات، أي لدى عمله على تكوين حكومته الأولى نهاية 2011، وقدّم كل التنازلات والتطمينات الممكنة للحزب، ولكن هذا الأخير رفض رفضاً باتاً المشاركة في الائتلاف الحكومي الذي كان يقوده الإسلاميون آنذاك.
إلا أن هناك عوامل أقوى من مشاعر بنكيران تجاه الاتحاد الاشتراكي. فالسبب الأساسي للأزمة الراهنة يكمن في صراع خفي على السلطة بين القصر وحزب العدالة والتنمية.
فالرباعي الذي يقوده الملياردير عزيز أخنوش والذي يتكون من أحزاب (الأحرار والاتحاد الدستوري والحركة الشعبية والاتحاد الاشتراكي)، يقدّم دعماً كاملاً للقصر الذي يبادله أيضاً هذا الدعم.
يعطّل هذا الحلف الرباعي المحاولات التي يبذلها البيجيدي للمضي قدماً بتشكيل الحكومة، رغم أن كل الأحزاب المكوِّنة له قد عانت من تراجع مهم خلال انتخابات 7 أكتوبر التي حقق فيها البيجيدي أعلى نسبة حصل عليها حزب مغربي في التشريعيات منذ استقلال المغرب. السبب يرجع إلى أن الرباعي المذكور يحصل على الدعم الكامل من القصر. فأخنوش الذي انتُخِب رئيساً للأحرار بعد استقالة صلاح الدين مزوار في أكتوبر – رغم أن أخنوش لم يكن عضواً في قيادة الحزب، بل إنه استقال منه منذ خمس سنوات – يتلقى أوامره مباشرة من القصر حتى أصبحت الصحافة تسمّيه الصديق الجديد للملك.
فمخطط النظام الخاص بولاية بنكيران الثانية هو أن يَتحكّم بالحكومية من الداخل، أي إن أخنوش يسعى إلى دخول الائتلاف الحاكم بكل ما يعني ذلك من سيطرة على مسار القرار الحكومي. اختيار القصر هذا هو استخلاص للدروس من الولاية الحكومية الأولى لبنكيران والتي عبّر خلالها زعيم العدالة والتنمية عن تبرّمه من التدخلات القادمة من خارجها وخصوصاً من فؤاد عالي الهمة وإلياس العمري.
أما التأثير في القرار الحكومي من الداخل فيتيح للقصر الإيحاء بأنه يحترم مظاهر الدستور والممارسة السياسية. وحتى يكتمل هذان الأمران الأخيران، فإن الزعيم الطارئ لحزب الأحرار كان بحاجة إلى كتلة برلمانية محترمة عددياً وسياسياً. فالرباعي الذي يقوده أخنوش حالياً ممثّل ب103 من أعضاء مجلس النواب، وهو رقم لا بأس به.
كان بإمكان الاتحاد الاشتراكي أن يوفّر لبنكيران رصيداً كبيراً من حسن النية السياسية. غير أن الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي، إدريس لشكر، يفضّل التنسيق مع الأحرار عوض العدالة والتنمية، فهو يريد الدخول إلى الائتلاف تحت مظلة أخنوش وليس بنكيران الذي وجّه إليه سهام انتقاداته.
يتخوّف بنكيران من أن يتحول الحلف الرباعي المقرّب من القصر إلى أقلية معطِّلة داخل حكومته تفرض عليه سياسةً غير سياسته، خصوصاً وأن الأحرار عبّر عن معارضته، ومنذ البداية، لأي دعم مالي  مباشر للأسر الفقيرة، بما يتعارض مع خطط إصلاح الدعم الحكومي التي وضعها حزب العدالة والتنمية وتقوم على توزيع دعم مالي مباشر على الأسر الفقيرة، الأمر الذي من شأنه أن يزيد من شعبية البيجيدي في أوساط قواعده الناخبة، بينما النخبة المخزنية تجد أن الشعبية الحالية للعدالة والتنمية كبيرة أكثر من اللازم. فالبيجيدي كاد يهزم النظام الانتخابي الذي يجعل من شبه المستحيل أن يحصل حزب واحد على الأغلبية المطلقة.
لكن حتى لو كان بإمكان الأحرار وحلفائه التوصل إلى اتفاق مع العدالة والتنمية للانضمام إلى الائتلاف الحاكم، لقد رفض أخنوش أن يشمل الائتلاف الحكومي حزب الاستقلال الذي هو الحليف المفضَّل للبيجيدي. وقد عبّر أخنوش عن هذا الرفض حتى قبل الأزمة الديبلوماسية الموريتانية–المغربية التي أثارها تصريح الأمين العام للاستقلال والذي اعتبر فيه البلد الجار أرضاً تابعة للمغرب.
هذه الأزمة استغلها القصر لليّ ذراع بنكيران الذي اضطر للتخلي في النهاية عن الاستقلال كشريك داخل الائتلاف الحكومي. إخراج حزب الاستقلال من الحكومة المرتقبة هو إضعاف لموقف بنكيران تجاه الحلف الرباعي، وذلك لأنّ حزب الاستقلال هو الحليف الذي يتمثّل بأكبر عدد من البرلمانيين داخل مجلس النواب، وكل البدائل أقرب إلى القصر. الهدف إذن هو عزل العدالة والتنمية ليس فقط داخل البرلمان وإنما أيضاً داخل الجهاز الحكومي، وهذا يبدو عبثياً لحزب بنكيران الذي صرّح أحد قيادييه لجريدة أخبار اليوم: "نحن لا يمكن أن نقبل بدخول رئيس الحكومة في أغلبية تُشكَّل له ولا يشكلها".
لعبت نقاط قوة القصر دوراً كبيراً في هذا الصراع اللامتكافئ مند بداية الأزمة الحالية. فأغلب الأحزاب داخل البرلمان تأتمر بأوامر القصر، وهي تشكل معاً أغلبية عددية داخل مجلس النواب، وهذا يجعل من تشكيل أغلبية حول بنكيران شيئاً مستحيلاً من دون دعم ملكي. هذا الدعم حصل عليه بنكيران سنة 2011 في عملية تبادل مصالح بين العدالة والتنمية والقصر، فقيادة هذا الحزب للحكومة ساهمت في تهدئة الشارع. هذا فضلاً عن أن الإعلام تابع بكلّيته للقصر وكذلك حال الأغلبية الساحقة للصحف الورقية. وهكذا فالإعلام الرسمي وشبه الرسمي يساهم في الضغط على بنكيران لتقديم تنازل جديد عبر تصويره بأنه زعيم سياسي فاشل ومعزول.
لكن في الحقيقة، برهن بنكيران عن صبر ومرونة أمام مناورات ومطالب المعسكر السياسي للقصر. فهو وافق أولاً على انتظار حوالي ثلاثة أسابيع بعد الانتخابات في السابع من أكتوبر، حتى يعقد الأحرار مؤتمره الاستثنائي ل"ينتخب" على رأسه أخنوش المقرب من القصر. كما وافق على إخراج حزب الاستقلال من التشكيلة الحكومية المرتقبة رغم أن هذا الحزب هو أقوى حليف للعدالة والتنمية.
لكن الوقت يداهم، وليس أمام بنكيران سوى عدد قليل من الخيارات. قبول الاتحاد داخل الأغلبية البرلمانية ورفضه داخل الحكومة، وهذا أمر مقبولٌ سياسياً، هو حل وسط يحفظ ماء وجه الجميع. لكن إذا رفض الرباعي التابع للقصر هذا الحل وتشبث بنكيران برفضه دخول الاتحاد للحكومة، فهذا يعني امتداد الأزمة التي دخلت فيها البلاد منذ أربعة أشهر والتي قد تنتهي بحل مجلس النواب وتنظيم انتخابات جديدة.
في المقابل، إذا وافق بنكيران على انضمام الاتحاد الاشتراكي إلى الحكومة، فذلك يعني استسلامه التام لشروط القصر ووضع حد نهائي للتوازن السياسي الجديد الذي أعطى رئيس الحكومة وضعاً دستورياً وسياسياً أتاح له مجالاً للممانعة تجاه تحكّم القصر التقليدي والكامل في السياسات العمومية.
إن النخبة المخزنية، وبعدما تعاملت مع حزب العدالة والتنمية كمنقذ سنة 2011، ترى فيه الآن عبئاً وتعتبر أن دوره قد انتهى.


ليس الهدف من هذا الموضوع المس بالإجماع السياسي حول مغربية الصحراء، ولكن لمعرفة الكلفة المالية والاقتصادية لهذا النزاع وللقضايا المرتبطة به من إغلاق الحدود، وانحباس الأسواق المغربية، وضعف المبادلات الخارجية، بما في ذلك استمرار السباق نحو التسلح والإنفاق العسكري الذي يفوق معدل الإنفاق العسكري العالمي، وبهذا الشكل نكون أمام كلفة تقدر بملايير من الدراهم كان بإمكانها أن تحدث قفزة نوعية في التنمية في بلادنا، لدرجة أن فؤاد عبد المومني الذي كان قد حقق السبق في وضع هذه الكلفة تحت المجهر، اعتبر أنه لو استثمرنا هذه الميزانية خلال مدة هذا النزاع لأصبح المغرب مثل كوريا!

لو لم يكن مشكل الصحراء لأصبح المغرب مثل كوريا، والمقارنة المفزعة هنا لفؤاد عبد المومني، الناشط الحقوقي الوحيد الذي وضع كلفة الصحراء تحت المجهر، وهو يضيف في استجواب سابق مع أسبوعية «الأيام» في أن كلفة الصحراء تبلغ حوالي 70 مليار درهم كل سنة، أي حوالي 7000 مليار سنتيم في السنة دائما، وتصبح الصورة أكثر إثارة حينما يخلص فؤاد عبد المومني دائما إلى أن كلفة الصحراء خلال مدة هذا النزاع تقدر بحوالي 2700 مليار درهم، باحتساب القيمة الحالية للدرهم!!

لا يمكن إلا أن تتوالى علامات التعجب، وفؤاد عبد المومني الذي يشرح كيف أن المغرب يتكبد خسارات 
المالية هائلة من استمرار نزاع الصحراء، هو نفسه الذي يضع أمام القارئ المؤشرات التي يمكن وفقها احتساب حجم الإمكانيات المالية الهائلة التي يكلفها هذا النزاع كل سنة، وعلى رأس هذه المؤشرات ميزانية الإنفاق العسكري الإضافي، ثم كلفة غلق الحدود الذي لم تنته حلقاته بعد، ثم الميزانية التي تصرف على استقطاب الرأي العالمي والمجموعات الضاغطة «اللوبيينغ» لدعم المقاربة المغربية في هذا الملف العالق، بالإضافة إلى الخسارات التي يتكبدها الاقتصاد الوطني من الامتيازات المالية   التي تمنح لسكان الصحراء وللشركات التي توجد في الصحراء، بما في ذلك بطائق الإنعاش الوطني وما إلى ذلك من الامتيازات التي ظلت تصرف على المنطقة وبعض سكانها لعقود ...

إنها كلفة تقدر بالملايير.

واد من الملايير يبتلعها مشكل الصحراء كل سنة، وبنفس العمليات الحسابية التي توصل بها فؤاد عبد المومني إلى الكلفة الاجمالية  لنزاع الصحراء وما يترتب عنه من قضايا نزاعية أخرى، يمكن التوصل بسهولة إلى أن هذه الميزانية تفوق ما هو مخصص للبرلمان ولرئيس الحكومة ولوزير العدل والحريات ووزير الشؤون الخارجية وووزارة الداخلية في قانون المالية للسنة المقبلة، وهي أكبر بكثير مما يلتهمه صندوق المقاصة كل سنة، ولو لم يكن مشكل الصحراء والقضايا المرافقة له، لكان بإمكان الحكومة أن توفر 70 مليار درهم هذه السنة، أو أن توفر على الأقل 20 مليار درهم في انتظار إصلاح صندوق المقاصة الذي مايزال يلتهم حوالي 50 مليار درهم...

باختصار شديد، إن ال70 مليار درهم التي تصرف على نزاع الصحراء كل سنة، تكلف المواطن الواحد حوالي 2200 درهم!

علامات التعجب لا يمكن إلا أن تتواتر، علما أن هذه التقديرات ليست دقيقة، والطريق في هذا الملف مليء بالثغرات والبياضات، فلا وثيقة رسمية واحدة تشير إلى الكلفة الحقيقية، المالية والاقتصادية بالطبع، التي يتكبدها الاقتصاد الوطني من ديمومة نزاع الصحراء، وفؤاد عبد المومني نفسه لا يقدم في هذا الاستجواب الأرقام النهائية في هذا الملف الشائك، بل إن من التقديرات التي اعتمد عليها ما توخت التخفيض من المعدلات بدل التضخيم منها، كما هو الشأن بالنسبة لتقديرات المخابرات الأمريكية  التي تضع تقديرات في حدودها الدنيا لكلفة الإنفاق العسكري، أي أنها لا تبتغي التضحيم، بقدر ما تحرص على التقليل.

ومع ذلك، فإن المؤشرات التي اعتمد عليها المومني مثيرة، وبالدرجة الأولى ما يتعلق بالكلفة الزائدة من الإنفاق العسكري بالمقارنة مع مستوى متوسط الإنفاق العالمي، وهو الذي يقدره المومني ب3.1 في المائة، وهو الذي يعني حوالي 28 مليار درهم إذا اعتمدنا على ناتج داخلي خام يقدر بحوالي 900 مليار درهم، وهي النسبة التي يمكن أن تزيد أو تتراجع حسب تزايد الميزانية العامة للدولة أو تراجعها، لكن الأهم في ذلك هو أن 28 مليار درهم تفوق بكثير ما خصص لرجالات العنصر والشرقي الضريس في وزارة الداخلية في قانون المالية برسم السنة المقبلة.

لابأس أن نعود إلى بدايات العقد السادس من القرن الماضي، والحسن الثاني الذي كان يرتاب من تحركات الجيش الجزائري في الحدود المشتركة، حسب الرواية الرسمية، سيقرر خوض أول معركة مع الجارة الشرقية، والانتصار سيكون حليف رجالات الجينرال إدريس بنعمر الذي لم تفصله عن أراضي تندوف سوى بضعة كيلومترات، قبل أن يصل الأمر الملكي بالتوقف ثم العودة، وبقية الحكاية تعرفونها حينما عاد الجينرال إلى القصر الملكي، ورمى ببزته العسكرية أمام الملك، في إشارة إلى عدم اتفاقه مع القرار الذي اتخذه الحسن الثاني.

حدث ذلك في سنة 1963، وسميت المعركة بحرب الرمال، وكان خلالها الجيش المغربي أكثر تفوقا، عتادا وعددا، وهو نفس التفوق الذي اعترف به رئيس جزائري بعد حوالي خمسة عقود في سياق حكاية خرجت من أحد اللقاءات المهمة لمجلس الثورة الجزائرية : «في أحد اجتماعات مجلس الثورة ناقشنا مطولا مشكل الصحراء الغربية من كل جوانبه، وكان هواري بومدين حريصا على معرفة رأي كل واحد منا. طرح بومدين مسألة جاهزية الجيش الجزائري في حال وقوع حرب، ولم يتدخل أيّ عضو من أعضاء مجلس الثورة. وحين طلب مني رأيي قلت له «إن الجيش يفتقد الإمكانيات، ويفتقد إلى التنظيم، وإننا موضوعيا غير جاهزين لتموين الوحدات بعيدا عن قواعدها في حالة حرب». كان بومدين هو وزير الدفاع، وهو المسؤول الأول عن القوات المسلحة. ولم يكن من حقي أن أكذب عليه في مثل هذه المسألة الحساسة. لكن ما سمعه في الاجتماع لم يعجبه، فقال في لحظة غضب «إذاً ما عنديش رجال».

كان ذلك في عهد ولى، وجزائر الأمس ليست هي جزائر اليوم، والبترول الذي يتدفق في أرجائها منذ سنوات فتح أمامها الباب الكبير للتسلح من مختلف المعدات وبملايير الدينارات، ولذلك يشرح المومني، مرة أخرى، وبطريقته، إن السباق نحو التسلح بين الجارين من المؤكد أنه سيثقل كاهل المغرب أكثر مما يثقل كاهل الجزائر، وخصوصا في هذه الظروف الحالكة التي تجتاز فيها البلاد شبح الأزمة الاقتصادية ذات التأثير الاجتماعي.

ويقول تقرير لمركز أبحاث الكونغرس الأمريكي إن المغرب يحتل الرتبة التاسعة من بين الدول النامية بالنسبة إلى عقود شراء الأسلحة، وإنه صرف بين سنتي 2008 و2011 حوالي 5.1 مليار دولار أمريكي، أي حوالي 45 مليار درهم، وإن الجزائر تحتل المرتبة الثامنة في نفس اللائحة، والأولى «وبنسب شاسعة في مشتريات الأسلحة على المستوى الإفريقي»، حيث تستحوذ على 48 بالمائة من الأسلحة التي تباع في إفريقيا، متقدمة على جنوب  إفريقيا التي تستحوذ على 27 بالمائة، وإذا أضفنا إلى هذه الأرقام التقريبية ما أشار إليه فؤاد عبد المومني من أن الضباط في الجيش الجزائري  لا يرغبون في إيجاد حل لمشكل الصحراء، على الأقل على المستوى القريب، فإن كلفة نزاع الصحراد بالنسبة للمغرب ستتضاعف.

عبد اللطيف لوديي، الوزير المنتدب المكلف بإدارة الدفاع الوطني، أكد أثناء مناقشة الميزانية التفصيلية لوزارته التي عرضها في الأسبوع الماضي، أن ميزانية الجيش ارتفعت بنسبة 7 في المائة، وأن السبب الرئيسي في هذه الزيادة حسب الوزير دائما هو إحداث 3000 منصب مالي  جديد في القوات المسلحة، لكنه أكد في نفس المناسبة أن جزءا من هذه الميزانية سيصرف «لتمويل البرامج الخاصة باقتناء طائرات «الإف 16» والسفن الحربية المتعددة المهام ...»

الإنفاق العسكري مايزال مستمرا في المغرب وفي الجزائر ، ومشكل الحدود بين البلدين مايزال على نفس الوضع، والملايير التي تتكبدها الأسواق المغاربية تتبخر في الهواء، وتحملات التنمية والاستقرار في الأقاليم الجنوبية  ستأكل الملايير من ميزانية المغرب في السنوات المقبلة، مثلما كانت تأتي على ميزانيات هائلة طيلة العقود الماضية، فهل لهذا السبب لم يعد المغرب الرسمي يجد حرجا في وضع أرقام الاستثمارات في المنطقة المتنازع عليها في دائرة الضوء الدولي؟

نحن الآن في نهاية سنة 2011، والطيب الفاسي الفهري في البرلمان الأوربي يبحث عن الطرق المقنعة لتجديد اتفاقية الصيد البحري مع الاتحاد الأوربي، وذلك بعدما رفض أزيد من ثلثي البرلمانيين الأوربيين تجديد هذه الاتفاقية، وعلى الرغم من أن السبب الظاهر في هذا الرفض اقتصادي، أو هذا الأقل ما تحاول مجموعات أوربية ترويجه، ومن ذلك ارتفاع كلفة الاتفاقية التي تمنح المغرب 36 مليون أورو في السنة، إلا أن العارفين بخبايا الأمور يعلمون أن العقبة سياسية، وأن الصحراء هي الوجه الحقيقي لهذه العقبة السياسية، ولذلك حاول الاتحاد الأوربي الضغط في مرحلة أولى من خلال استشارة إحدى مؤسساته حول مدى قانونية استغلال المغرب للثروات المتواجدة في المنطقة المتنازع عليها، وحينما جاء الرد عاما وهو يعطي الحق للمغرب في استغلال هذه الثروات، شريطة استفادة سكان الصحراء منها أيضا، وهو ما لا تنفيه الرواية الرسمية، تراجع الضغط الأوربي إلى الوراء، خصوصا أن الأمم المتحدة  نفسها لم تعترض على الأشغال التي يقوم بها المغرب والبوليساريو للتنقيب عن البترول، كل في منطقته.

نفس المحن، بنفس الكلفة السياسية، تتجدد في مناسبات أو بدونها، حينما تتعالى أصوات نشطاء جبهة البوليساريو في الداخل أو في الخارج بضرورة استفادتهم من خيرات الصحراء، ليس لما يوجد في باطن البحر، وإنما لما يوجد في باطن أرضها، والمقصود هنا ليس إلا الفوسفاط الذي يستخرج من منطقة فوسبوكراع، المنجم والشركة التي صرف عليها المجمع الشريف للفوسفاط ميزانيات هائلة لإعادة هيكلتها، والكلام هنا ليس لصاحب هذا الملف، ولكن لمصدر فضل عدم الكشف عن اسمه: «من الناحية الاقتصادية البحتة، كان يُفترض إغلاق فوسبوكراع، لأن كلفة استخراج الفوسفاط وتخصيبه ونقله إلى مدينة العيون  التي تبعد بحوالي 110 كيلومترات مكلفة جدا، لكن لأسباب اجتماعية ومواطنية، تقرر الاستمرار في إعادة هيكلة المؤسسة التي تركتها إسبانيا في وضعية غير مؤهلة، وهو ما تطلب صرف استثمارات باهظة لسنوات، ولم تقف الشركة على رجليها إلا في السنتين الأخيرتين، ثم إن مخزون هذا الحوض من الفوسفاط لا يمثل سوى 3 في المائة في أقصى تقدير من المخزون الوطني».


أثناء الحملة الانتخابية الأخيرة، تبنى زعيم حزب العدالة والتنمية السيد عبد الاله بنكيران أسلوبا تواصليا غير مسبوق يقوم على أساس ما يسميه المتخصصون في التواصل : "الغلو الموحي بالصدق " (hyperbole véridique)، أي إسماع المتلقي ما يريد سماعه وما يستنفر عواطفه وأحكامه الجاهزة ويجعل اختراق وعيه ولاوعيه ممكنا.

وكي يحقق هذا الأسلوب الفعالية المطلوبة، عمد إلى إنتاج ما يمكن أن نسميه "أحجية" ( fiction sociale) أسند لنفسه فيها دور البطل المغوار الذي لا يشق له غبار والقادر على دحر الكفار بلسانه البتار. وكان التركيز على شخص الزعيم في ساحة الوغى مقصودا في هذه "الأحجية" ليس فقط بهدف اختزال الكل، أي حزب العدالة والتنمية، في شخص الزعيم واستعمال كاريزميته والهيبة التي يضفيها عليه موقعه كرئيس للحكومة كواجهة، بل وأيضا بهدف شخصنة الصراع السياسي والسباق الانتخابي في إطار معركة فاصلة غايتها قتل الخصم المنافس رمزيا والتمثيل به وليس إضعافه وحسب. فالطابع غير الشخصي (impersonnel) ، المفروض أن يطبع الممارسة السياسية الحديثة المفتوحة على أفق ديمقراطي، ليس له مكان في الثقافة السياسة لتيارات الإسلام السياسي التي تنظر إلى كل معركة انتخابية على أنها غزوة تروم هزم الكفار والسير في سبيل إحياء الخلافة.

في هذا الإطار تعمد زعيم الحزب الإسلامي تغييب النقاش حول حصيلة الحكومة واستبعاد مناقشة البرامج الحزبية، لأنه كان واع تمام الوعي أن نقاشا من مستوى رفيع منصب على الحصيلة والبرامج سيجعله في موقف دفاع وسيظهر خلاله أعضاء حزبه بلا كفاءات وسيمكن خصومه من محاصرته بسهولة.

ودرءا لذلك، عمل على حصر النقاش العمومي في دائرة أخلاقية عبر الإلحاح على أن ما ينقص البلد ليس البرامج وإنما الاستقامة ونظافة اليد، كما جاء في إحدى خطبه. وقد كان الشعار الانتخابي الذي اختاره لحملته الانتخابية "صوت وارتاح" مندرجا في هذا السياق، إذ انطوى على دعوة صريحة للناخب بالتصويت له ولنسخه الكاربونية دون إعمال العقل أو تقييم حصيلة الحكومة أو المقارنة بين البرامج والمواقف والرؤى. وهو شعار يستحضر ضمنا منطق "أهل الحل والعقد" الذي يقوم على أساس تفويض الأمر وليس الانتخاب والمشاركة الديمقراطية القائمة على أساس المواطنة.

وامتدادا لذلك، لم يتردد السيد عبد الإله بنكيران في التحريض على نخب البلاد جميعها متهما إياها بالخروج على سواء السبيل والتنكر لقيم المجتمع. وتعمد خلال ذلك تبني خطاب يعمق إحساس الأتباع بالانتماء إلى هوية مميزة ويرضي في نفس الوقت السلفيين ويغريهم بمساندته، حيث قال في خطبة بمراكش، التي كان يرغب في ترشيح السلفي حماد القباج بأحد دوائرها، إنه وأصحابه باعوا أنفسهم لله ولا يملكون منها بعد ذلك شيئا، ولم يتردد في ذات الوقت في الاستشهاد بابن تيمية الذي يحيل على مذهب متعارض مع المذهب المالكي في صيغته المغاربية.

وسخر كتائب حزبه في شبكات التواصل الاجتماعي وفي الصحف الموالية له للمضي بذلك التحريض إلى أبعد مدى وإظهار كل زعماء الأحزاب المنافسة والنقابات ومنظمات المجتمع المدني غير الموالية لحزبه والمثقفين بمظهر المسخرين لخدمة أجندة محاربة الإسلاميين والفاسدين والملحدين والمدافعين عن العري والمخدرات والمثلية والمساواة في الإرث بين المرأة والرجل...

وقد مكن هذا الأسلوب زعيم الإسلاميين من اختراق المجال الذي كان ممكنا للمعارضة أن تشغله في مواجهته كرئيس للحكومة ومواجهة حزبه واحتلاله. حيث تأتى له تذويب الحدود بين الحكومة وبين المعارضة وتقديم المعارضة بكل أطيافها في صورة ممثلين لما يسميه الإسلاميون "الدولة العميقة" والراغبين في استمرار الفساد وفي الاستفادة منه وفي محاربة الإصلاح والتخليق والإسلام ممثلا في شخصه على الخصوص. وخلال ذلك عمل زعيم الحزب الإسلاموي على الظهور بمظهر من يواجه "الإستابليشمنت" (المؤسسة الحاكمة) ومؤامراتها التي عملت على الإطاحة به وبنتائج صناديق الاقتراع، ومن ثمة استعادة خطاب المظلومية الذي ينتج عنه التحلل من أي مسؤولية والإفلات من المحاسبة.

لقد قام الأسلوب التواصلي لرئيس الحكومة المنتهية ولايتها وزعيم حزب العدالة والتنمية على أساس مناورة محبوكة هدفت إلى مصادرة ورقتي الحكومة والمعارضة معا من الجميع للاستفراد بهما في حملته، بحيث يصعب على المواطن غير المحصن وضع حزب العدالة والتنمية وزعيمه في موقع محدد أو تحميله أي مسؤولية، بل والنظر إليه خارج صورة الضحية المستهدف من كل جهة.

وعلى عكس ما أوحت به خطبه خلال تلك الحملة، فإن أسلوب السيد عبد الإله بنكيران التواصلي لم يكن تلقائيا ولا جديدا، بل إنه كان مؤطرا بخطة مدروسة ركزت على شخصه وعلى قدرته على إنتاج خطاب سهل التلقي من طرف الجمهور الواسع، المتعلم وغير المتعلم، وعلى خلق المشهد الدرامي.

وقد نجح هذا الأسلوب نسبيا ليس لذكائه ونجاعته، بل لأنه تمكن من شل ذكاء وخيال منافسيه الذين عبأ آلة إعلامية إسلامية نشيطة وكتائب إلكترونية فعالة لمحاصرتهم تمكنت من استكمال مفعول خطابه الهجومي باستعمال مختلف وسائل الإرباك والإحراج والإساءة وبالشكل الذي فرض على هؤلاء المنافسين السقوط في الشباك.

ذلك أن ذاك الأسلوب أربك حسابات منافسي حزب العدالة والتنمية وجعلهم أسرى ردود أفعال غير محسوبة ومضطربة اكتفت في عمومها بالرد على الشخص والدفاع في مواجهة الاتهامات التي وزعها يمينا ويسارا بشكل مقصود. تلك الاتهامات التي قصدت تبخيس قيمة أشخاص الزعماء المنافسين مقارنة مع الزعيم الأوحد الأصلح والأتقى والأنقى عبرالتشكيك في أخلاقهم وذممهم ونواياهم، بل وحتى في إيمانهم عبر استعمال صيغ تكفير مبطنة. وقد تولت الكتائب الإلكترونية التابعة لحزب العدالة والتنمية وللحركة الدعوية المرتبطة به ترجمة تلك الاتهامات إلى لغة مباشرة متحررة من إكراه التحفظ وحدود القانون.

ارتباك الأحزاب المنافسة لحزب العدالة والتنمية أمام هذا الأسلوب التواصلي جعلها تنجر إلى الفخ الذي نصب لها وتتراجع كلها إلى الدفاع عبر إنتاج خطابات سلبية موجهة للشخص المهاجم وليس إلى الحزب الذي يمثله والحكومة التي تولى رئاستها مما ساعد على شخصنة المعركة الانتخابية وأفقدها الزخم المفروض أن يميزها كمعركة سياسية تتوخى ترسيخ الديمقراطية وإقامة دولة المؤسسات.

وسعيا وراء فعالية أكبر للأسلوب التواصلي الذي اختاره، فقد استكمله زعيم الحزب الإسلامي بما هو أخطر، وذلك باستعمال لغة تهديدية صريحة : إما نحن أو الطوفان، ولم يكن يهدف من وراء ذلك إخافة الدولة أو المنافسين، لأنه مقتنع في قرارة نفسه أن المغامرة غير محمودة العواقب في مواجهة دولة قوية، وإنما هدف إلى إخافة المغاربة على استقرار بلدهم وأمنهم وسلامتهم، فقد هدف إلى زرع الرعب من انتقال عدوى العراق وسوريا وليبيا وحتى تونس لدى الناخبين إذا لم يفز الحزب الإسلامي أكثر من الدولة ومؤسساتها. وكان مؤسفا أن بعض الأساتذة الجامعيين الذين تصدروا الواجهة الإعلامية، وهم في الأغلب الأعم محدودي القدرة على التحليل وعديمي الخبرة بالممارسة السياسية البعيدة عن الاجترار المدرسي، قد لعبوا دور كومبارس في مسرحية لا يعرفون نصها وهبطوا بالنقاش إلى الدرك الأسفل بدل الارتقاء به والتنبيه إلى انحرافه. وكان أداء الإعلام العمومي السمعي-البصري كارثيا.

لقد كان زعيم الحزب الإسلامي واع تماما بأن لعبته هي لعبة تواصلية بالدرجة الأولى وأن الانتصار فيها سيكون لامحالة لمن يستطيع الخداع أكثر وجلب الاهتمام أكثر وليس من يمتلك أحسن برنامج ومن يسعى إلى الإقناع، وكان واع كذلك أن الموقع الحكومي، والشخصية التي اكتسبها من خلال هذا الموقع، والآلات الحزبية والدعوية والجمعوية والإعلامية التي تأتى له تكوينها وتمويلها خلال السنوات الأخيرة باستعمال الموقع الحكومي، تشكل كلها عوامل تجعل خطته التواصلية فعالة في بلوغ أهدافها وتجعل المنافسين يتيهون بلا خرائط بحثا عما يضادها في مدى زمني قصير جدا. وقد سهل مأموريته خصومه الذين دخلوا الحملة الانتخابية بأساليب تواصلية تقليدية متقادمة وقابلة للهدم بسرعة وبشخصيات مهزوزة تعكس أزمة قيادات سياسية، في اليمين واليسار على حد سواء، يعيشها المغرب مند سنوات، في مرحلة يميزها العياء من التمزق الهوياتي وزحف المحافظة على قاعدتي تزايد الفوارق الاجتماعية والتحول السكاني السريع .

الخداع كان الخاصية الأساسية للأسلوب التواصلي الذي اتبعه الحزب الإسلامي خلال الحملة الانتخابية لتجديد أعضاء مجلس النواب، وفي الحملة الانتخابية التي سبقتها لاختيار ممثلي السكان في الجماعات الترابية، لكن للخداع حدود، فقد يخفي الحقيقة للحظة، يحول الأنظار عنها لبرهة من الزمن، يشوش عليها لبعض الوقت، لكنه ينكشف في النهاية وتبرز الحقيقة كما هي

 

الصفحة 1 من 4

صوت وصورة

أحوال الطقس Weather

 
Go to top